محمد حسين علي الصغير

215

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ( 4 ) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ( 5 ) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ( 6 ) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ( 7 ) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ( 9 ) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ( 10 ) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ( 11 ) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ( 12 ) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ( 13 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ( 14 ) « 1 » . فستجد القرآن في هذه الآيات المباركة ، قد جمع أشتاتا وعوالم كثيرة ، وكائنات متعددة للتعبير عن دقائق التغيير الكوني والجمع الكلى لحيثيات متنوعة في يوم واحد . وهو يوم القيامة الذي يضم موضوعا واحدا وهو يحشر الخلائق على صعيد واحد ، ومن هنا نجد الفرق بينه وبين مثال الفصل الذي اختاره عبد القاهر من القرآن الكريم ، قال تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) « 2 » . فهذه العبارات المتطاولة على حسن تناسقها الفني وتراصفها البياني جاءت منفصلة بترك العطف ، لأنها تمثل مناخا نصيا خالصا للدلالة على استقلالية كل جملة بذاتها ، وتماسك كل آية بمعنى من المعاني الخاص بها وقد تعلق الجميع برباط قولي متناسب فيه حذف وإضمار وتقدير في السؤال والجواب والترصد ، فجاءت كل عبارة علما للدلالة على ذلك المخزون البلاغي في الصيغ والإشارات ، بخلاف الوصل الذي يجمع بين الأمرين ويوحد بين المشتركين ، لذا نجد القزويني معترفا بهذه الحقيقة في احتياج صاحب علم المعاني إلى التنبه لأنواع المقادير الجامعة في حالة الوصل ، ناظرا إلى طبيعة الأشياء في تحقيق التقاء الأمرين اللذين بينهما البعد الكبير ، كالإبل والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة التكوير : 1 - 14 . ( 2 ) الشعراء : 23 - 31 .